ابن كثير
83
البداية والنهاية
الانطاق ، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها ، وبأمر أهل الموصل ، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء ، وما كان من أمرها . وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الانطاق ، أن يعين جيشا لحربهم ، ويؤمر عليه عبد الله بن المعتم ( 1 ) ، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الافكل الغزي ( 2 ) ، وعلى الميمنة الحارث بن حسان الذهلي ، وعلى الميسرة فرات بن حيان العجلي ، وعلى الساقة هانئ بن قيس ، وعلى الخيل عرفجة ابن هرثمة . ففصل عبد الله بن المعتم في خمسة آلاف من المدائن ، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الانطاق ، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم ، ومن الشهارجة ، ومن نصارى العرب ، من إياد وتغلب والنمر . وقد أحدقوا بتكريت ، فحاصرهم عبد الله بن المعتم أربعين يوما . وزاحفوه في هذه المدة أربعة وعشرين مرة ( 3 ) ، ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفل جموعهم ، فضعف جانبهم ، وعزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم ، وراسل عبد الله بن المعتم إلى من هنالك من الاعراب ، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد ، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك ، فأرسل إليهم : إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وأقروا بما جاء من عند الله . فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم : إن كنتم صادقين فإذا كبرنا وحملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن ، وامنعوهم أن يركبوا فيها ، واقتلوا منهم من قدرتم على قتله ، ثم شد عبد الله وأصحابه ، وكبروا تكبيرة رجل واحد ، وحملوا على البلد فكبرت الاعراب من الناحية الأخرى ، فحار أهل البلد ، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلي دجلة ، فتلقتهم إياد والنمر وتغلب ، فقتلوهم قتلا ذريعا ، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم ، ولم يسلم إلا من أسلم من الاعراب من إياد وتغلب والنمر ، وقد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الافكل إلى الحصنين ( 4 ) وهي الموصل سريعا ، فسار إليها كما أمر عمر ، ومعه سرية كثيرة ، وجماعة من الابطال ، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها ، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد وهم صاغرون ، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت ، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف ، وسهم الراجل ألف درهم ، وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان ، وبالفتح مع الحارث بن حسان ، وولى إمرة حرب الموصل ربعي بن
--> ( 1 ) في الطبري : العنزي . ( 2 ) في فتوح البلدان : ان عمر بن الخطاب ولى عتبة بن فرقد السلمي الموصل سنة عشرين فقاتله أهل نينوى ، فأخذها عنوة وصالحه أهل الحصن الآخر ( الموصل ) على الجزية والاذن لمن أراد الجلاء بالجلاء 2 / 407 . ( 3 ) في الطبري والكامل : زحفا . ( 4 ) في الكامل : الحصنان هما الموصل ونينوى . وتسمى الموصل الحصن الغربي ، ونينوى الحصن الشرقي 2 / 524 .